(رواية ..)
النهارات تكتب الليالي
ولا متسع ــ منذ الازل ــ
لقراءة أولية.
الفقر
خلال دقائق مُسِح صحنُ " السْميد" وعادت لقمتي الى فمي فارغة من الطبخ .ازدردتها خبزا حافا ومسحت شاربي وحمدت الله على النعمة.
كانت زوجتي فاطمة قد اقترضت " ثمنية " برغل من عند الحاجة سهجنين (شاه زنان) وقليلا من السمن البلدي من عند والدتها وطبخت " السميد" في ساعة متأخرة من المساء بعد ما سمعت الحارة بأكملها أطفالي يبكون جوعا. وما حفَّز فاطمة على مغامرة الذهاب الى الحاجة سهجنين التي كانت قد اقترضت من عندها العدس و الحمص والفول وهي لا تأمل ان تستجيب هذه المرة و تقرضها بعض السميد لعلمها أن كل هذه المقترضات لن تعود اليها لأن زوجتي لن تكون في أي يوم من الأيام في حالة تسمح لها بسداد كل هذه الأغذية الباهضة الثمن.إنه استعطاء بلبوس القرض. أقول ما حفزها هذا المساء المتأخر صراخ جارنا أبو خليل يطلب مني إخراس الأطفال لأن اولاده يحضِّرون دروس المدرسة.ومما زادها ألما و جعلها تقفز واقفة تكرار قوله.
ـ اذا كان اولادكم لا يذهبون الى المدرسة ولديهم كل الوقت للهو و البكاء فإن على اولادنا واجبات مدرسية تتطلب التفكير في أجواء هادئة. جارنا هذا لم يتمكن العام الماضي من ارسال الصغار من اطفاله الى المدرسة قبل نهاية الفصل الأول.
نعم لم أتمكن هذا العام من ارسال اطفالي الأربعة الى المدرسة. لا بدل التسجيل ولا ثمن الكتب، وإن كنا لا نحتاج الى شراء اكثر من مريول أزرق واحد فالمراييل الثلاثة الباقية مازالت جيدة ليرثها الصغير عن الكبير.اما الكتب التي كنا قد اشتريناها مستعملة لبضع سنوات فقد كانت رثة ولم يصمد معظمها الى ما بعد منتصف العام . أما ما بعد وما بعد ما بعد منتصف العام فقد امضاه الأطفال دون معظم الكتب و وسط هزء وسخرية التلاميذ، الذين كان معظمهم يداري أيامه المدرسية بكتب رثة او سقط معظم اوراقها، و تقريع الاساتذة المربين الذين هم انفسهم امضوا معظم سنوات الدراسة دون كتب.
هذا العام كان الأمر مستحيلا. واذا كان الصبية الثلاثة قد اعتادوا الخروج حفاة وفي عز الصقيع فإن الإبنة البكر التي اصبحت في التاسعة فقد مُنعت من الخروج حتى يتسنى لي تدبير حذوة لستر قدميها الرقيقتين.
تقول أمها:
ـ دعها تخرج حافية .. ربما تلاحظ احدى الجارات و تهديها حذاء مستعملا بدلا من ان ترميه في القمامة.
ـ لا.. دعيها ترميه فأنا امضي الهزيع الأخير من كل ليل ابحث في القمامة لعلي اجد شيئا مفيدا.
ـ دعنا نصعد الى الضيعة و نسكن في " خشة" خالتي التي توفيت هذا الشتاء. ربما هناك بين الاهل و الاقارب ..قد تفرج في سبيل ما.
ـ سنصعد في الصيف اذاما تمكنا من توفير "أجار" السيارة الى هناك. وفي نهاية الصيف يحلها حلال. إما نعود وإما نبقى هناك.
ـ تقبر حالها بيروت و تقبر صحابها.. من وقت ما وصلناها ما مر علينا يوم مثل العالم.
ـ مش إنت و إمِّك ظَلَّيْتوا تْنِقوا على راسي حتى إنشِلْ هَالطَفالى من تحت القصف؟ أنا والله ما كان بدِّي أترك أهلي و "ربيعي" وخيرات بلدي وإجي على هالمخروبي.
ـ لا..لا.. انت قررت النزول الى بيروت بعدما عدنا من دفن جارتنا نهلا و ابنتها ليلى اللتين مازلت تبكيهما حتى اليوم. وربما ستواصل ذلك طوال حياتك. الله ينتقم من اليهود ومن ساعتهم.
ـ… …
ضيعتنا مليئة بالخيرات . في أيام الربيع هذه موسم"السليق" أي كل ما يُسلق و يؤكل . تنتشر النسوة على الهضاب و السفوح وفي الوديان وتجمع العِلت و العَنّي و الخبيز والهليون وتؤمِّن الوجبات الشهية لبضعة أيام. ويستمر هذا الموسم أكثر من ستة أسابيع لا يحمل الآباء أي هم لتأمين لقمة العيش. وبعدها فورا يجيء موسم الحصاد . أنا اعمل في الحصاد بأجر مجزي، وزوجتي في " التلقيط" حيث تلتقط سنابل القمح التي تبقى خلف الحصادين. تجمع كمية كبيرة نشوي قسما منها"للفريك" ونسلق الباقي لاعداد السْميد والسْرَيْسِيرة.
وفي أوائل هجرتنا الى بيروت كنا نعود لأيام قليلة مع موسم السليق وجميع أيام الحصاد، ولكن منذ فجّر اليهود منزلنا وأطبقوا عاليه على واطيه لم نعد الى الضيعة بتاتا. وفيما بعد دُمِّر موسم السليق وأمتنع القرويون عن ارتياد السفوح و الاودية لأن القصف الاسرائيلي أصبح ممكنا في أي لحظة من النهار أو الليل. كذلك جفت مواسم الحصاد ولم يعد بإمكان الفلاحين الذهاب إلى حقولهم خصوصا بعد أستشهاد اعتدال وعناية ة اللتين لم تتجاوز كبراهما الخامسة عشر من عمرها الذي قصفته قذيفة اسرائيلية في لحظات الفجر الأولى حين كانتا في طريقهما " لقطف" الدخان.
ـ … …
ـ لا.لا. أنا لا ازعم ان الاحتلال الاسرائيلي سبب فقرنا. لكنه من المؤكد انه جعل فقرنا أكثر قساوة وضنك عيشنا أشد و أدهى.
ـ أترك اسرائيل و احتلالها وقم إبحث عن عمل.. على كل حال القصف الاسرائيلي يقترب من هنا شيئا فشيئا.
_ إن ما جعل فقرنا اكثر قساوة هو "النَقْ" الدائم الذي علمتك إياه أمك يابنت ستين كلب.
_ إجعلهم مئة .. يا إبن الأكابر.. وقم فتش عن شغل.
لطمها بظاهر كفه على وجهها وخرج بعدما كاد يضع قدمه، الذي جره في " الشحاطة" المقطَّعة، في ظهر طفله الممدد على بطنه قرب الباب الخارجي ويعلك " مصاصة " قنينة الحليب الفارغة منذ أسابيع.
خرج ليبحث عن " البلاَّط" ابن قريته، الذي وعده ان يأخذه معه الى أول ورشة يدعى اليها. فهو من جهة يساعده و يقبض أجره اليومي، و من جهة أخرى قد يتعلم المهنة.
ما كاد يعبر الزقاق الى الجهة المقابلة حتى روته مياه موحلة من أم رأسه الى أخمص قدمه المكشوف. فقد مرت مسرعة سيارة فارهة زجاجها مدخن في قلب" النقعة" التي أحدثها كسر قسطل المياه التي قلما تصل الى المنازل و كثيرا ما تروي الشوارع.
ـ شو صَرْلك يا مشحَّر
ـ مثل مانِك شِيْفِه. مرت سيارة العكروت ابن العكروت المدخنة وطَرَشْني هالطَرْشي.
ـ يالله مْنِيحْ لِرْجِعْت . الصبي حرارته أربعين.
حمل طفله هو يغلي بين يديه واتجه به فورا الى المستوصف الذي فتحه بعض الخَيِّرين خلف صيدلية الحي التي لم تكن بعيدة عن الكوخ الذي يقطنه عند مدخل أحد البساتين القليلة التي لم تشهق فيها بنايات بدلا من أشجار البرتقال و الليمون.
ـ دخلك يا حكيم راح يروح الصبي بين دَيْنا.
ـ لا بخير.. عنده التهاب في اللوزتين لأنه يسنن .. وتابع الطبيب بمنتهى الرقة و الأدب.
ـ خذ هذا الدواء واعطه حبة كل اربع ساعات .انظر الاحتقان في لثة فكه الاسفل. ما هي إلا ساعات و ينبت سنه وينتهي الأمر..
فعلا انتهى الأمر تلك الليلة ولم ينبت السن و لم تنخفض الحرارة انما ذوى الطفل مع أناء الليل.
ارتدى ثيابه النظيفة بعدما غسلتها زوجته و نشرتها اثناء الليل وحمل طفله ملفوفا بالثياب التي كانت قد اتسخت امس حين حمله الى المستوصف فور عودته بعد حمام "النقعة" الساخن وأتجه به الى المسجد الجامع تتبعه زوجته وهي تندب طفلها وخلفها ، في طابور متناسق ، أطفالها الثلاثة.
وفور عودته من المقبرة الى الكوخ نادى زوجته التي واصلت النواح :
ـ سنعود الآن الى الضيعة .
ـ كيف ذلك؟ هل لديك أجار السيارة. و..ألا ننتظر ذكرى الاسبوع.
ـ لا..لا. سنتوجه سيرا على الأقدام.. الله بِدَبِّرْها.. وسنقيم ذكرى الأسبوع هناك في الضيعة.
ـ الليلة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ